
يبدو في أول وهنة أن تنمية مدينة انواذيبو لم تترك سدى، على الأقل من الناحية المؤسسية، حيث تتولى هذه المهمة أربع هيئات رسمية، كل واحدة منها بطريقتها ووفق إمكانياتها وعلى قدر أداء المسؤولين عنها. فهناك الولاية، والجهة، والبلدية، ثم خصوصية انواذيبو المتمثلة في المنطقة الحرة ذات الصيت التي كان يفترض أن تجعل من المدينة قطبا اقتصاديا وطنيا جذابا.
لكن رغم هذه البنية المؤسسية السخية التي تعكس إرادة السلطات العمومية في تحويل العاصمة الاقتصادية إلى فضاء للازدهار وجذب الاستثمارات، فإن الواقع يبين أن النتائج ما تزال دون مستوى التطلعات بكثير.
بل إن المدينة لا تزال تفتقر حتى الآن إلى بنى تحتية أساسية موثوقة، مثل خدمات المياه والكهرباء، وذلك رغم الجهود الهامة التي بذلتها الدولة في هذين المجالين الحيويين. والحقيقة، كما أشار بحق رئيس الجمهورية الحالي خلال إحدى زياراته لانواذيبو، أنه ما دام الحديث لا يزال يدور حول خدمات أساسية كالماء والكهرباء، فلا يمكن الحديث عن تقدم ولا عن ازدهار.
صحيح أن منطقة "كبانو" السياحية تمت تهيئتها، غير أن أراضيها بيعت لأفراد دون إلزامهم، في المقابل، بإنجاز استثمارات ذات جدوائية حقيقية. وفي رأيي، لم يكن ينبغي أصلا بيع تلك الأراضي، بل منحها مجانا لمن يلتزم بإقامة ساحات ترفيهية فيها، وفنادق راقية، ووحدات صناعية تنتج قيمة إضافية وفرصا للعمل. الدولة ليست تاجر تجزئة.
والنتيجة الواضحة للاجراءات التي تم اتخاذها مخيبة: شريط ساحلي مكتظ، وشاطئ شوهته بل قضت عليه بنايات بلا ذوق ولا مردودية، في حين أنه كان أفضل بكثير لو ترك على حالته الطبيعية، بكل بساطة.
من جهة أخرى في أمر آخر مريب، فقد أُعفيت بعض المواد الأساسية من الضرائب، لكن أسعار بيعها للمستهلك بقيت في مستوى الأسعار المعمول بها في نواكشوط. وهكذا تخلت الدولة عن عائدات ضريبية هامة دون مقابل، إلا إذا كان لصالح بعض التجار، وهو ما لم يكن الهدف أصلا. وقد تم في النهاية تعليق تلك الإعفاءات، في إشارة مبكرة إلى التخلي التدريجي عن مشروع المنطقة الحرة نتيجة لفشله بعد ثلاثة عشرة سنة من التخبط.
كما أن مستثمرين وطنيين شيدوا منشآت فندقية استشرافا لوعود المنطقة الحرة، هذه الفكرة الجذابة التي كانت تعد بالازدهار وتوحي بتدفق كبير للزوار. غير أن الزبائن لم يكونوا في الموعد، لأن المدينة لم تنجح في خلق الجاذبية المنتظرة، لا بالنسبة للسياح ولا للمستثمرين.
وأعتقد أن تمييع المسؤوليات الناتج عن تداخل الصلاحيات وتشابك الاختصاصات بين مختلف الهيئات القائمة يمكن اعتباره أحد اسباب هذا الاخفاق. فالحدود بين الأدوار لا تحترم دائما، لأن الأهداف ومجالات التدخل، بل وحتى الوسائل أحيانا إن وجدت، تكاد تكون واحدة.
وفي النهاية، يبقى كل شيء تقريبا في انواذيبو كما كان، بل دون وضعه السابق في بعض الأحيان… رغم كل هذه الجهود التي ذهبت هدرا في النهاية.
دحان الطالب عثمان

