نائب أكجوجت يكتب : كي لا تبقى ثرواتنا تصنع الرفاه لغيرنا

سبت, 27/06/2026 - 23:18

 

 

في كثير من البلدان ، تُولد الثروة قبل الإنسان، لكن الإنسان قد يُحرم منها منذ ولادته.

أراضٍ غنية، معادن، نفط، موقع استراتيجي… ومع ذلك يعيش المواطن على هامش الحياة، يبحث عن أبسط حقوقه في ثروته المنهوبة من شركات متعددت الجنسيات .. حيث لا عمل، ولابئية نظيفة، ولا حتى كرامة.

 

ان الثروات الطبيعية الهائلة التي نمتلكها كانت كفيلة بتحويل بلدنا  إلى قوة اقتصادية كبرى، لكن على خارطة الجغرافيا الاقتصادية، تبدو بلادنا ‏كمفارقة صارخة تأبى الفهم؛ فهي الأرض التي تختزن في باطنها كنوزا من المعادن الثمينة والاستراتيجية التي تدخل في الصناعات الحديثة وفي التحولات الطاقوية التي يشهدها العالم؛ ورغم هذه اللوحة الباذخة بالثروة، تضعنا مؤشرات التنمية البشرية الدولية في صدارة قوائم الفقر، والبطالة، والهشاشة المؤسسية.

‏هذا التناقض البنيوي ليس وليد الصدفة، بل هو تجسيد حي للمصطلح الاقتصادي الشهير بلعنة الموارد، حيث يتحول الغنى الطبيعي من رافعة للنهوض إلى قيد يكبل التنمية.

‏ولا تمكن قراءة هذا المشهد دون العودة إلى نقطة البدء التاريخية. 

‏فالاستعمار  الحديث عندما وطئت أقدامه بلادنا من خلال شركاته متعددة الجنسيات ، لم يأت مدفوعاً برغبة في بناء دولًة حديثة أو نقل التكنولوجيا إليها، بل جاء بدافع رئيسي هو تأمين تدفق المواد الخام لثورته الصناعية.

‏وبناء على هذا الهدف، تم تصميم مؤسسات استخراجية؛ وخطوط سكك حديدية  تمتد فقط من المناجم إلى الموانئ، وسن قوانين تشرع الاستحواذ على الثروة ، ونظام إداري مركزي لا يولي كبير اهتمام للتنمية المحلية ولا للمسؤولية الاجتماعية للشركات  . 

‏والطامة الكبرى تمثلت في مرحلة ما بعد الاستقلال؛ حيث ورثت النخب الوطنية هذه الهياكل الجاهزة ولم تقم بتفكيكها. فبدلاً من إعادة هندسة الاقتصاد نحو الإنتاج البشري والصناعي، استسهلت هذه النخب العيش على ريع تصدير الخام، مما أبقى الدولة تدور في ذات الفلك الاستعماري القديم ولكن بأيد محلية.

‏الأزمة الحقيقية في اقتصاد الموارد لا تكمن فيمن يملك المادة الخام، بل فيمن يمتلك القدرة على تصنيعها وإضافة القيمة إليها.

‏هذا الخلل البنيوي حرم البلد  من خلق فرص عمل حقيقية لجيوش من الشباب العاطلين ، وجعل القيمة المضافة والأرباح الرأسمالية تتراكم في خزائن الشركات متعددة الجنسيات والدول الصناعية الكبرى بدلاً من استفادة البيئة المحلية منها.. 

‏إن النهوض باقتصادنا وفك طلاسم هذه المفارقة المؤلمة لن يتحقق باكتشاف او استغلال مناجم جديدة أو آبار نفط اوغاز إضافية، بل يبدأ من حقيقة واحدة صاغتها التجارب العالمية الحديثة: أن الثروة الحقيقية للأمم في القرن الحادي والعشرين هي: ثروتها البشرية، وقوة مؤسساتها الرقابية و التشريعية، وسيادة القانون الفوقية. ومراجعة القوانين والمدونات المعدنية وصياغة اتفاقيات نموذجية تضمن وتصون حقوق اجيال الحاضر والمستقبل وتستجيب لتطلعات المواطنين في الاستفادة من ثرواتهم، وبدون استثمار عوائد الأرض في بناء الإنسان وتوطين التكنولوجيا والصناعة، ستظل الموارد الطبيعية مجرد لعنة تراكم الثروة في حسابات الشركات الأجنبية  وتترك أصحاب الأرض فقراء .

‏فمثلا عندما ننظر إلى حجم وقيمة الصادرات المعدنية في بلادنا نجد ارقاما فلكية من حيث قيمة الصادرات لكن السؤال المطروح ماهو حجم عائد او مساهمة هذه الصادرات في الميزانية العامة للدولة؟

‏حسب تقرير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية الذي تم نشره مؤخرا تبلغ مساهمة الشركات المعدنية في الميزانية العامة للدولة لسنة 2024 -بما فيهأ الضرائب والأرباح- ما مجموعه 21,809,154,048  اوقية

تساهم شركة SNIM بمبلغ 13.416.461.801  اوقية جديدة اي ما يمثل (58.84%) من مساهمة القطاع المنجمي كله.

‏وشركة Tasiast بمبلغ 8.493.106.603 اوقية جديدة اي ما يمثل (37.25%).

‏وشركة MCM بمبلغ 832.160.749 اوقية جديدة اي مايمثل (3.65%)منه وباقي الشركات بنسبة 0.22٪.

‏وتتوزع قيمة الصادرات حسب الآتي:

‏1-اسنيم  التي بلغ مجموع قيمة صادراتها خلال 2024،  43.067.419.890,00  اوقية جديدة

‏2-شركة TMLSA (Tasiast) 

‏بلغ مجموع قيمة صادراتها خلال سنة 2024:

‏•⁠  ⁠ 59.099.187.638,00 اوقية جديدة

‏3- شركة MCM

‏بلغ مجموع صادراتها لنفس السنة 

‏•⁠ 10.245.076.529,00 اوقية جديدة.

‏هذه الأرقام تؤكد أنه - للأسف الشديد، مهما كانت حجم صادرات ثرواتنا المعدنية التي كثر الحديث عنها مؤخرا-  فان انعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني يظل محدودا بفعل اتفاقيات وقوانين تعود في غالبيتها إلى بداية الألفية الثانية.

‏ وعندما ننظر إلى عوائد الأرباح   (Royalty) التي تسقفها المادة 108 من مدونة المعادن ب 3٪؜ بالنسبة للحديد والنحاس، مهما تطورت الأسعار  وب 6,5٪؜ بالنسبة للذهب إذا تجاوز سعره 1800 دولار للاونصة(وسعر الاونصة الان يقارب 4088 دولار ) مما يوضح حجم الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد بفعل ضعف المنظومة القانونية والاتفاقيات المجحفة،

‏أما المردودية الاجتماعية فيكفينا أن نلقي نظرة خاطفة على واقع  المواطنين في ولاية انشيري التي تحتضن هذه الاستثمارات، والتي تتصدر مؤشر حجم البطالة في البلد  (تصل البطالة فيها إلى 37,35% حسب إحصائيات 2025)، كما تعيش موجات خانقة من العطش، مع أنها تتربع على بحيرة بنشاب التي تستغل في معالجة المعادن دون رقيب، في الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن قطرة ماء يسد بها ظمأه، ودون كهرباء مع أن رؤوس المواطنين تعلوها خطوط جهد عال وأخرى متوسطة، لتنير سكن العمال الأجانب بهذه الشركة،  أما العامل الموريتاني في نفس الحي العمالي فيعيش ظروفا غاية في الصعوبة.

‏والخدمات الصحية والتعليمية متدهورة في ظل غياب مدرسة للتكوين المهني، أما خلية الكوين المهني الموجودة هناك فلا مكون بها منذ أربع سنوات، أما نسبة الفقر والفقراء فتزداد، وأحزمة الفقر تتسع من حول المدينة.

اما ماتخلفه هذه الشركات من نفايات سامة  فقد راكمت الاف الأطنان من النفايات شديدة السمية ففي:

 شركة  First Quantum Minerals- MCM التي خلف مصنعها  52.000 طن من النفايات شديدة السمية 

وشركة KINROSS-Tasiast التي خلفت  هي الأخرى 7000 طن من النفايات بمختلف أنواعها (كما ورد في تقرير محكمة الحسابات) 

‏مع ذاك تطالعك الأخبار بان شركتي  تازيازت و MCM أنفقتا ملايين الدولارات على التنمية المحلية في ولاية انشيري مع أنك لاتكاد تجد أثرا لهذه الارقام على أرض الواقع، برغم ان عنوان الاستدامة هو الشعار المرفوع لمشاريع هذه الشركات.

‏أما الثابت والمستدام في مشاريع هذه الشركات فعلا فهو الفساد و استنزاف ثروات هذا الشعب، والتصدق عليه بفتات بيع الخردة وتمويل مشاريع وهمية لا اثر لها ،مشاريع تُطلق لأجل الصورة لا لأجل المواطن.

‏فالتنمية تحتاج رؤية، لا شعارات، وتحتاج تخطيطًا، لا ارتجالًا.

‏ وعلى الرغم من الاهتمام والتوجيه الذي قدمه فخامة رئيس الجمهورية للحكومة بضرورة العمل على تحسين مردودية وانعكاسات ثرواتنا المعدنية على الاقتصاد الوطني والتنمية المحلية والاهتمام بالبيئة خاصة في أفق مراجعة اتفاقية MCM، فقد خرجت للأسف بشكل أسوء من ما كانت عليه من قبل، وما اتفق عليه في النص الذي لم يجف حبره بعد، لم يتم احترامه ولا متابعته.

‏فقد نصت المادة 64 من الاتفاقية النموذجية في فقرتها الرابعة على أنه :

‏(- يلتزم صاحب الامتياز في إطار إنجاز برنامج أهداف التنمية بأن يساهم في الصندوق الاجتماعي للتنمية المخصص لهذا الغرض.

‏-يتم تحديد معدل المساهمة المذكورة في الفقرة السابقة أثناء المفاوضات المتعلقة بمنحها أو تجديدها.

‏-سيتم وضع آلية محلية بين الادارة والمنتخبون لتسيير هذا الصندوق ).

‏كل هذه النقاط رغم أهميتها لم يتم احترامها ولا العمل على تطبيقها من أجل أن نخرج بهذا المواطن  من مستوى المساعدات والصدقات التي تمن بها هذه الشركات إلى مستوى الشريك الفعلي في هذه الاستثمارات المستخرجة من باطن أرضه، والتي  له حقوق فيها لا منة للشركة عليه بها.

‏وللاسف لم يكن هناك تفاوض من أجل تحديد هذه النسبة المأوية من رقم أعمال هذه الشركات  السنوي   لتدفعه إلى صندوق التنمية المحلية الذي حددت الفقر الأخيرة طرق وآليات تسييره.

‏فبعد توقيع الاتفاقية عدنا إلى نفس المربع، فقد اجتمعت الشركة بالوالي بحضور منتخبين فقط من أصل ستة منتخبين في الولاية، لتعلن الشركة بعدها أنها خصصت 200 مليون قديمه كمساعدة منها للولاية، أما القانون وماحملته الاتفاقية فبقي في دهاليز وزارة المعادن التي اكتفت بالحصول على 1% من رقم أعمال الشركة سنويا في تمويل تكوينات ورحلات سنظل نتلمس آثارها في جودة القوانين وتعزيز قدرات المفاوضين وكسر سلاسل الفساد والإفساد والرشوة في هذه الشركات التي حيدت القطاعات العمومية عن مهامها الرقابية و حولتها  إلى شريك خاص، في المقاولات والصفقات  والمناصب داخل هذه الشركات واغلقت الأبواب في وجه الكفاءة لتُفتح للمحسوبية.

‏ليتحول الفساد من الرشوة و استنزاف الثروة إلى  سرقة الأمل، وقتل الثقة، وتفريغ المؤسسات من معناها.

‏وعلى الرغم من هذا المشهد القاتم في نموذج ادارة ثرواتنا المعدنية، فإن الأمل يظل قائما  في تشكل وبناء نموذج جديد لإدارة ثرواتنا المعدنية نستفيد فيه من تجارب دول أفريقية مشابهة لحالتنا.

‏ دول بدأت تقلب المعادلة، كرواندا التي تحولت من بلد مدمر إلى اقتصاد صاعد بتقليل الاعتماد على تصدير الخام وتحفيز الصناعة المحلية، وكذلك بوتسوانا التي أنهت لعنة الألماس عبر إدارة شفافة للموارد، وغانا التي بدأت بإعادة التفاوض على عقود الذهب لصالحها، فهذه النماذج تؤكد أن الحل ليس في الثروة ذاتها، بل في من يديرها وكيف تدار.

‏النائب سيد أحمد محمد الحسن

تصفح أيضا...