
بعد ما ثبت استحالة تعديل الدستور لتبرير مأمورية ثالثة لأن ذلك سيكون ببساطة بمثابة تفصيل على مقاس وعبث لا طائل من ورائه، تجد البلاد نفسها أمام موعد مع استحقاق يكاد يطرق الأبواب.
الاستحقاق الرئاسي القادم، محطة غاية في الحساسية والخطورة لما يحيط به وبما سينجر عنه عسى أن يكون عافية وسلاما على البلاد والعباد، أنسجاما ووئاما، فاطمئنانا واستقرار.
لطالما حلم أهل هذه البلاد برئيس يستجيب لتطلعاتهم، متصالح مع القيم الحضارية والثقافية للبلاد، مستقيم، يقرب المصلحين ويبعد المفسيدين لا يخشى في الله لومة لائم، ذو همة عالية يساوي بين أهل البلاد دون جهوية ولا عصبية ولا محاباة ولا تمييز من أي شكل من الأشكال، يؤمن بالعدل والعدالة، ناصح أمين يقبل النصيحة بقلب سليم.
فقهاء الإسلام سبقوا غيرهم في تناول أمر الحكم فأبدعوا أيما إبداع جزاهم الله خيرا. أشهر الكتب في الموضوع الأحكام السلطانية للماوردي المولود سنة 364 هـ في البصرة، المتوفى سنة 450 هــ ببغداد. إنه مرجع وأم في السياسة الشرعية والفقه الدستوري الإسلامي يتناول بالإسهاب والتوضيح القواعد الشرعية والقانونية التي تحكم الدولة والمجتمع وتفصيل وتحديد مهام وصلاحيات مؤسسات الحكم لتحقيق العدالة، ومن ذلك:
[شروط الأهلية الأساسية للحاكم الشرعي:
- الإسلام: أن يكون مسلم فلا ولاية لغير المسلم على المسلمين.
- البلوغ والعقل: التكليف شرط أساسي فلا يصح تولي الصبي أو فاقد الأهلية.
- الذكورة: يشترط في الإمامة العظمى (رئاسة الدولة) أن يكون ذكرا.
- العدالة والاستقامة: أن يتصف بالاستقامة والنزاهة والابتعاد عن الكبائر.
- ليؤتمن على أموال وأعراض وحقوق الرعية.
- العلم: أن يحوز على القدر الكافي من العلم الشرعي الذي يمكنه من إدارة الدولة وتطبيق الأحكام.
مواصفات الكفاءة والقيادة:
- الكفاءة والرأي: الكفاءة والقدرة في تدبير وإدارة شؤون الدولة ومصالحها.
- الشجاعة والنجدة: لحماية أراضي الدولة (حماية البيضة) والدفاع عن الأمة.
- النزاهة: أن يكون عفيفا بعيدا عن الشبهات وعن الطمع والبخل وقبول الرشوة.]
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) الأنبياء/ الآية 105.
لنا أن نتساءل أين نحن من هذه الحكمة والخير الوفير. حسبنا إثراء النقاش، فكريا بما هو أهم وأنفع.
يفترض أن يكون الكتاب مدرجا في برامج كليات العلوم السياسية والإنسانية بما له من عمق في الفكر السياسي الإسلامي.
ننصح من لم يطلع على هذا الكتاب من قبل، اقتناءه.
لا أمل ولا فرصة للبلاد في التنمية بشكل من الأشكال مع توسيد المسؤوليات لمن لا أمان لهم، لمن يعبثون ويتلاعبون بمقدرات الأمة ويفسدون في الأرض ولا يصلحون.
الأمر في حده الأدنى يحتاج حملة دينية، حملة تربوية، حملة إعلامية من ورائها إرادة سياسية في التطهير تنم عن نية خالصة في التغيير، تجنبا للفتنة المطلة برأسها خلف كل النوافذ والأبواب ومن الآن فصاعدا.
الأمر يحتاج في حده الآن إلى وضع معايير للترشح تراعي الكفاءة والأهلية والاستقامة والحرص على سمعة ورفعة البلاد في قبول الترشح، رئاسيا ونيابيا.
الأمر يحتاج في حده الأدنى إلى تشكيل لجنة تشرف على الانتخابات بكامل الصلاحية القانونية لا كاللجان السابقة، من ذوي الخبرة والاستقامة والتجرد من الحسابات الضيقة.
الأمر يحتاج في حده الأندى إلى إسناد المهمة الإدارية لحكومة جديدة كاملة الجدة لا تتأثر إلا بما يمليه الضمير والمصلحة العامة، فبقاء الدولة أصبح على المحك.
آن الأوان لاستخلاص الدروس من الاستحاقاقات السابقة وما شابها من شوائب وانجر عنها من مصائب يشهد بها القاصي والداني، القريب والبعيد.
آن للمتنفذين أن يعوا أن البلاد تمر بمرحلة من أحلك المراحل في تاريخها، مرحلة اختبار وامتحان وجودي، فقد بلغ الاحتقان المعلن والمستتر ذروته وإن لم يتغير الحال إلا ما يوحي بالتوجه إلى التغيير من خلال تهيئة الظروف السياسية والإدارية للانتقال بالبلاد لاستحقاق جدير بالاسم، فإن البلاد ذاهبة في مهب الريح. وإنهم سيكونون أول الخاسرين دنيا ودين.
ما يحيط بالبلاد من بؤر للتوتر وانعدام الاستقرار من كل الجهات مدعاة للتوجس والخيفة لأنه ببساطة قابل للانتقال عبر الحدود، وسباق التسلح يجري على قدم وساق بشكل صامت ومعلن مما يظهر اختلالا صارخا في ميزان القوى في المنطقة، وأهداف البعض منه لا تخفى على من له حس وعقل، فهل من جاهزية؟
وإذا ما أضفنا إلى ذلك ما يبيت للداخل من أسباب الفتنة الواضحة فإن تراكم الأوجاع والجراح هو الآخر لا يمكن التغاضي عنه وإذا ما قلنا أن الخطر محدق لكان ذلك تحصيل حاصل.
فشل المنظومة التعليمية للبلاد وجع ملتهب. يقاس النجاح في المنظومات التعليمية في ما يقاسون به، نسبة النجاح في الباكلوريا، وطنيا تصل النسبة مابين 12 و 13 في المائة، في دول الجوار الأقرب إلينا نسبة النجاح تتراوح مابين 60 إلى 80 في المائة.
الأسباب.
الازدواجية ممثلة في الثنائية اللغوية، حيث تتساوى قيمة ما يدرس بالفرنسية بما يدرس بالعربية نقاطا.
مقت التلاميذ للفرنسية ورثوه عن أبائهم وأجدادهم في كره فرنسا الاستعمارية ولغتها، لذا لن يتعلم المرء إلا مايحبه.
الازدواجية لا معنى لها في مقياس جودة التعليم ولن تنجح بالإكراه.
فلنعد إلى لغة الهوية، اللغة الأم، لغة القرآن العظيم اللغة الجامعة المانعة المباركة لنكون أسيادا في وطننا.
وضع المتقاعدين العسكريين والمدنيين وبالأخص الجنود وضباط الصف والضباط الأعوان (من ملازم إلى نقيب) وصغار الموظفين ومتوسطيهم المتقاعدين وجه من أوجه نكران الجميل من جهاز إداري وسياسي قاصر عن إدراك خطورة ذلك وتبعاته على الاستقرار الداخلي للبلاد وعلى ميزان العدالة الاجتماعية وعلى تماسك الدولة، ذلك بأن الظلم إيذان بخراب الدول، معاشات هؤلاء تكاد لا تصل حد الكفاف، فهل من تصحيح يصحح الخطيئة المزمنة في حق من يستحقون ويستحقون.
نعم، يجب أن ينال هؤلاء حقوقهم وبأثر رجعي.
قطاع التنقيب الأهلي الذي امتص البطالة بشكل يفوق التصور منذ العام 2016 من خلال استيعاب مئات الآلاف من المنقبين، يتعرض هؤلاء اليوم للإذلال من قبل مبتزين باسم السلطة.
وضع هؤلاء المنقبين يكفي عن ماهم فيه من معاناة، يغيبون عن أسرهم شهورا وشهورا في أرض فلاة، لا ماء ولا شجر، منقطعة بهم السبل، يبعدون مئات الكلمترات عن أقصى مدن الشمال والساحل، لا خدمات، لا أمن، لا سطلة قضائية، أو إدارية تحمي الحقوق وتفض النزاعات، لا شرطة بمعنى الكلمة، وحينما يكتشف أحدهم موقعا بعد عناء وعناء يغني ويغري يأتي من ينتزعه منه عنوة باسم السلطة ابتزازا وظلما وعدوانا، فيذهب مجروح الكرامة مهموما مغموما فينقلب من شخص سوي إلى شخص ناقم. الظلم إذان بزوال الملك.
قطاع التنقيب الأهلي يجب أن يحظى بما يستحق من أهمية كرافد اقتصادي لا يقل أهمية عن التنقيب الصناعي الموكل لشركات أجنبية تنهب الثروة ليل نهار بمقابل يكاد لا يجوز عليه السكوت ومع ذلك ينعم الأجنبي في مواقعه بأمن واطمنان يحسده عليه منقبو الوطن.
في الشمال وفي أقصى الشمال يجيب استحداث تجمعات استيطانية على شكل مدن صغيرة تتوفر على الخدمات بالقرب من مناطق التنقيب لبسط سلطة الدولة في مناطق الخواء السكاني ولتكون نواة لمدن مستقبلية.
معلمون وسدت إليهم مهمة بناء الأجيال فأبلوا البلاء الحسن، تقاعدوا فإذا بمعاشهم لا يصل حد الكفاف.
طلبة بلا منح وإن وجدت تكاد لا تكفي مصروفات النقل.
من للمحرومين بلا أمل وبلا عمل وللمرضى بلا علاج وللجوعى بلا طعام في بلد ابتلي برعاة غفلوا عنهم.
الضرائب المجحفة على كل شيء والنتيجة الغلاء الفاحش والمتصاعد الذي لم يسلم منه الماء الهادر في الأنهار والسمك الذي يحثى كالتراب، التضخم المتسارع تتصاغر معه القوة الشرائية للمواطنين يوما بعد يوم مما يولد السخط والتذمر العام. فأين هذا من الحكم الرشيد؟
ومع كل هذا فالبلاد متخمة بثروات هائلة فوق التراب وتحت التراب تغني المطالب بحقه عن السؤال عن حقه، فأين هذا من الحكم الرشيد؟
هل سيتخلى أولئك عن تسلطهم وأنانيتهم وتكبرهم فيقدمون ما هو خير للبلاد وللعباد على ماهو شر لهم.
مصير الرؤساء السابقين الذين لم يحسنوا قراءة المتغيرات الجيوسياسية والأوضاع الداخلية والتطورات الإقليمية والدولية ولم يعايشوا رعيتهم آلامها وآمالها، لا يبشر بخير لمن يحذو حذوهم. ولا ينبئك مثل خبير.
من يسافر خارج البلاد لشهر واحد أو أكثر أو أقل ثم يعود للبلاد يندب حظه وحظ البلاد، فبينما تسجل البلدان الاكثر سكان وأعباء الأوسط نموا نقاطا معتبرة في التنمية في كل الميادين وفي كل حين بشكل لا تخطئه العين وفي دول الجوار بخاصة نرى بلدنا الذي يسبح على بحر من الخيرات يسجل التراجع تلو التراجع تنمويا وأمنيا اجتماعيا واقتصاديا وعلميا، رغم موارده الهائلة تحت التراب وفوق التراب مما يولد الإحباط على الإحباط.
آن للبلاد أن يكون على رأسها رئيس جديد مشبع بروح التفاؤل والإرادة القوية في التغيير يلبي الحد المطلوب من الشروط والمواصفات السلطانية، يحيط نفسه بمستشارين أكفاء ووزراء مؤهلين من أهل الاختصاص والاستقامة يعملون ليل نهار لانتشال البلاد من كبوتها إلى نهضة طالما راودت الأجيال جيلا بعد جيل. ورحم الله من عرف قدره فجلس دونه.
(وعد الله الذي ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) النور/الآية 55
ما يعانيه الناس من تسلط المستلطين هو بفعل ما فعلوه بأنفسهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أعان ظالما على ظلمه سلط عليه".
فهل سنجد في الانتخابات القادمة جيلا يؤمن بالتغيير بدلا عن الفتنة والثورة، جيل ناخبوه يعلمون أين يوضع الصوت ولمن يعطى الصوت ومن يستحق الصوت، لإحداث التغيير المنشود. (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد/ الآية 11
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصية ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم أنصر الإسلام والمسلمين وأذلك الشرك والمشركين. وصل اللهم وسلم على الرحمة المهداة محمد وآله وصبحه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
انواكشوط بتاريخ: 12 محرم 1448 هـ
الموافق: 28 يونيو 2026 م
*ـالمؤهلات العلمية:
باكلوريا وطنية
ليسانس حضارة وإعلام ـ المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية
بكالوريوس علوم عسكرية ـ جامعة مؤتة الأردنية
ماجستير علوم عسكرية وإدارية ـ جامعة مؤتة الأردنية
ماجستير علوم إستراتيجية ـ أكاديمية ناصر العسكرية العليا ـ مصر
عقيد متقاعد بتاريخ 31/12/2016 من مواليد مدينة أطار

