ولد أبو المعالي يكتب : العفو الرئاسي.. قراءة في مقاربة المراجعات الفكرية

سبت, 20/06/2026 - 15:35

كانت المقاربة الفكرية والعلمية ـ الحوارية، ميزة جوهرية في الاستراتيجية الموريتانية لمحاربة الإرهاب والتطرف، حققت تكاملا محكما مع سائر مقاربات الاستراتيجية الأخرى، كالمقاربة الأمنية والعسكرية، والمقاربة التنموية والاقتصادية والاجتماعية، وعبرت عن وعي ناضج بطبيعة المواجهة، باعتبارها منبثقة عن انحرافات فكرية وفهم متشدد لتعاليم الدين الإسلامي، تحتاج لعالج تقويمي إقناعي، أخف وطأ وأقل تكلفة وأنجع حصادا، يسعى لاقتلاع الجذوع الفكرية بدلا من تقليم الأغصان بالقوة فقط، فأدى ذلك إلى أن يبقى بلدنا خلوا من عنف التشدد الديني، منذ أكثر من خمسة عشر عاما، رغم تفاقمه وتناميه من حولنا، فأصبحنا مركز سكينة وهدوء واستقرار يشار إليه بالبنان، وسط عاصفة هوجاء من العنف الأعمى تجتاح دول منطقة الساحل.

 

ونظرا لأن الجولة الأولى من هذا الحوار أسفرت عن الإفراج عن عشرات من ذوي المحكوميات الخفيفة وأصحاب الجنح وبعض من تشكلت لديهم قناعات بنبذ العنف قبل الحوار، في حين بقي عدد من القادة والعناصر الفاعلين الذين حملوا السلاح ضد الدولة عن قناعة، ونظّروا لذلك واستماتوا في الدفاع عنه، فلم تكن زعزعة قناعاتهم ضربة لازب أو خبط عشواء، يحسم أمرها بين عشية وضحاها، فيعلنون التراجع عند أول جولة من الحوار، فجاءت توجيهات رئيس الجمهورية بضرورة مواصلة الحوار معهم وإقناعهم، وإقامة الحجة على من تأخذه العزة بمواقفه منهم، ليدخل معهم العلماء في نقاشات ساخنة وصريحة، أوغلت في قضايا الخلاف التي شتت الأمة شذر مذر على مدى قرون سحيقة ومزقت شملها، وانحدرت بها إلى مستنقعات الفتن ودوامات العنف المتوحش، مثل قضايا: الحاكمية في الإسلام، والولاء والبراء، ومفهوم الجهاد وشروطه، ونواقض الإسلام، ودار الكفر ودار الحرب ودار السلم، والعذر بالجهل، واستباحة دماء المسلمين بحجة التترس، والخروج على الحاكم، وتكفير الدولة وأجهزتها، وحكم غير المسلمين في بلاد المسلمين من مواطنين وأجانب، إلى غير ذلك من الإشكاليات والشبهات التي يعتنق كثير من حملة هذا الفكر مواقف متشددة ومتطرفة بشأنها، وبعد لأي وشد وجذب وحوارات علمية صريحة تقارع فيها الحجةُ الحجةَ، وتغالب فيها القناعةُ القناعةَ، أعلن عدد من هؤلاء تخليهم عن أفكارهم السابقة التي حملوا أرواحهم على أكفهم وتأبطوا السلاح دفاعا عنها، في عودة إلى الحق والرشد ومنهج الاعتدال القويم.

 

ولا ريب أن عودة بعض رموز هذه المجموعات وقادتها من السجناء، عن سالف أفكارهم وماضي قناعتهم المتطرفة واعترافهم بخطئهم وخطيئتهم، ومجاهرتهم بالتوبة والإقلاع، سيكون له بالغ الأثر على بعض الشباب خارج السجن ممن يحملون ذات الأفكار ويرون في هؤلاء القدوة والأسوة الحسنة.

 

ولأنهم حملوا السلاح ضد الدولة وقاتلوها، وهم يعتنقون أفكارا غالية تكفيرية ضدها وضد أجهزتها، فواجهتهم وقتلت بعضهم واعتقلت آخرين صدرت بحقهم أحكام حازمة تراوحت بين الإعدام والسجن لفترات طويلة، فأن تراجعهم عن تلك القناعات وإعلانهم البراء منها واعتزالها، وتتويج ذلك بالعفو الرئاسي عنهم وإطلاق سراحهم، يشكل فرصة لتوجيه رسالة إلى كل من انزلق من شبابنا نحو التطرف والغلو، مفادها أن الدولة تبقى الحضن الدافئ واليد الحنون التي تمتد للمخطئين التائبين من أبنائها، تماما كما هي حاسمة وصارمة مع الغلاة والمتطرفين ممن يهددون السكينة المجتمعية والسلم الأهلي.

غير أن دور العلماء والفقهاء لا ينتهي هنا، بل إن الحاجة إلى استمرار المقاربة الفكرية والعلمية تبقى قائمة وملحة عبر مواصلة الحوار والنقاش ـ وإن بطرق مختلفة ـ مع هؤلاء وغيرهم من الشباب خارج السجون، لتوطيد وتوطين أفكار الاعتدال والاستقامة، ومحاصرة ونبذ أفكار التطرف والعنف والتكفير.
 

سنة الحوار والصفح

ولعل منتقدي الحوار مع هؤلاء والعفو عنهم بعد توبتهم وتراجعهم، بحجة تورطهم في قتال الدولة وقتل بعض الجنود ورجال الأمن رحمهم الله، يراجعون أفكارهم ورؤاهم، كما راجعها هؤلاء، إذا ما تذكروا ـ وهم خير العارفين ـ أن الحوار مع المتشددين والغلاة من حملة السلاح والمحاربين، والصفح عن التائبين منهم، كان نهجا قويما وسنة محمودة سنها خليفة المسلمين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حين أرسل ابن عمه عبد الله بن عباس إلى الخوارج الحرورية وهم أشد غلوا وأفظع جرما وأعظم خطيئة، فحاورهم وناظرهم وأعاد الآلاف منهم عن غيهم وغلوهم، أما نحن فلسنا بأفضل من علي بن أبي طالب ولا أرشد رأيا من بن عباس، ولا القوم أسوء غلوا وأطنب شططا وتكفيرا من الخوارج الحرورية، فمالكم كيف تحكمون.
أما فضيلة الصفح عن التائب والعفو عن أفعاله التي ارتكبها قبل التوبة حين يعترف بخطئه، فقد ضرب لنا القرآن الكريم أروع الأمثلة عليها، حين نقل إلينا اعتراف نبي الله موسى عليه السلام وهو يتوب إلى ربه (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين)، ليكافئه ربه بعد التوبة بأن وهب له حكما وجعله من المرسلين، أما نبينا محمد صلى الله عليه وسم وصحابته فكانت مصيبتهم الأعظم التي أوشكت أن تقضي على بيضة الإسلام وهو ما يزال في بواكير دولته ـ لولا حفظ الله ومشيئته ـ فهي مقتلة يوم أُحد التي أصيبوا فيها ببلاء عظيم وشجت رأس النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وفقد عمه وكوكبة من صحابته الأخيار، وكان رأس الحربة في مُصابهم وقتل خيرتهم خالد بن الوليد، فلما تاب وثاب من غي شركه إلى التوحيد، كان الصفح والتجاوز حاضرين، فاحتل رضي الله عنه في مجتمع المدينة المسلم، ذات المكانة القيادية والاجتماعية أو أرفع، من التي كان يتصدرها في مكة، ليصبح قائدا لا يشق له غبار نصّبه الرسول صلى الله عليه وسلم ووشحه بلقب سيف الله المسلول (مع التنبيه إلى أن التشبيه لا يقتضي المماثلة، والمشبه لا يرقى إلى مرتبة المشبه به في وجه الشبه)، لكن من تاب تاب الله عليه، ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز انتقام.
 

تجارب تحتذى

 

وقد أثبتت التجارب أن حوارات السجون ظلت دائما سبيلا سالكا وصراطا سويا يقود إلى المراجعات الفكرية التي كانت في غالبها الأعم تنحو نحو الرشد والرشاد، ولنا في بلدان عربية وإسلامية عديدة عانت من ويلات العنف والتطرف، وقضت عليه أحيانا وعلى جله أحيانا أخرى، بالحوار والمناصحة، ثم بالعفو والمصالحة، أسوة ونموذج متبع.
 ففي السجون الليبية أعلن مئات المعتقلين من "الجماعة الليبية المقاتلة"، تراجعهم عن أفكارهم ونبذهم للتكفير والغلو، بعد جولات من النقاشات والحوارات قادها عدد من العلماء والفقهاء ما بين عامي 2007 و2009، وانتهت بإصدار المئات من السجناء وثيقة مراجعات مفصلة تحت عنوان: "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس"، وأفرج عنهم ليعودوا إلى ذويهم وقد صلح حالهم واستقام فكرهم.

 

وفي المملكة العربية السعودية أطلقت السلطات برنامج "المناصحة وإعادة التأهيل" بعد مواجهات دامية شهدتها المملكة بداية العقد الأول من هذا القرن مع مقاتلين متشددين، حيث قاد عدد من كبار العلماء السعوديين حوارات مع السجناء أفضت إلى تراجع المئات منهم عن أفكارهم، وإعلانهم التوبة ونبذ التطرف والغلو، فتم إخلاء سبيلهم وعادوا إلى مجتمعهم أناسيّ صالحين، وفي مصر أعلن عدد من قيادات "الجماعة الإسلامية"، و"جماعة الجهاد الإسلامي"، من داخل السجون عن مراجعات كبيرة في قناعاتهم الفكرية بعد سنوات من الحوار والنقاشات، وأصدروا عددا من الوثائق والكتب في هذا السياق تحت عناوين مختلفة منها: "تصحيح المفاهيم"، و"مبادرة وقف العنف: رؤية شرعية وواقعية"، و"نقد اعتبار المواجهة هي الخيار الوحيد وإهمال الخيارات النبوية الأخرى في التعامل مع الواقع"، و"البدائل الاستراتيجية للعمل المسلح" وقد تم الإفراج عن المئات منهم.
 وفي غرب إفريقيا أطلقت حكومة نيجيريا سلسلة حوارات ونقاشات مع الآلاف من عناصر جماعة "بوكو حرام" وجماعة "أنصارو" المتشددتين من داخل السجون أولا، ثم تطورت المبادرة لمحاورة من هم خارج السجون، قادها عدد من علماء الدين الإسلامي وبعض القادة التقليديين في مجتمعاتهم، وذلك عبر برنامجين حكوميين، أحدهما مخصص للقادة الكبار والمنظرين تحت اسم "برنامج الصلح"، والثاني خصص لحملة الفكر التكفيري والمتطرفين من غير القادة والمنظرين، ويحمل اسم "برنامج العبور الآمن"، وقد قاد هذان البرنامجان اللذان اعتمدا على مقاربة الحوار والمراجعات، إلى إعلان مئات المقاتلين والقادة التكفيرين من الجماعتين عن تخليهم عن أفكارهم المتطرفة وترك السلاح والاندماج في المجتمع، فاستفادوا من عفو الدولة التي وفرت لهم دعما ماليا يعينهم على الاندماج في الحياة الطبيعية.
وكان القاسم المشترك بين كل هذه التجارب، بما فيها التجربة الموريتانية، هي أن المفرج عنهم من التائبين المتراجعين، غدوا مواطنين صالحين يعيشون كغيرهم بين مجتمعاتهم، بل كان لهم دور مشهود في إقناع الشباب المتشدد أو المرشح للتشدد بالعدول عن فكر التطرف والميل عن خيار العنف، وحرمان تلك الجماعات من روافد اكتتاب واستدراج كانت تغذيها بالمقاتلين، فضلا عن تمسكهم بما خلصوا إليه من أفكار وما أعلنوه من تراجع عن التطرف وأوبة إلى الرشد والصواب.

 

محمد محمود أبو المعالي

تصفح أيضا...