استرضاء الإسلاميين: رهانٌ لم يضمن استقرار الدول ولا بقاء الأنظمة ( رأي) / سيدي محمد ولد الطلبه - صحفي مقيم بإسبانيا

سبت, 20/06/2026 - 16:29

 

على القيادة في موريتانيا أن تدرك، قبل فوات الأوان، أن السعي إلى استرضاء تيارات الإسلام السياسي أو التساهل مع بعض أنشطتها لا يضمن للدولة الاستقرار ولا للسلطة البقاء، والشواهد على ذلك كثيرة ومتكررة.

وما أدعو إليه ليس اضطهاد الإسلاميين بمختلف تفرعاتهم ولا التضييق عليهم بسبب أفكارهم أو انتماءاتهم، وإنما إخضاعهم للقانون ذاته الذي يخضع له الجميع، من دون استثناء أو امتياز.

 

فاحترام الأحكام القضائية، ومراقبة مصادر التمويل، والتقيد بالأنظمة المنظمة لجمع التبرعات وإنشاء المدارس ومراكز التعليم والتكوين، والالتزام بالقوانين الناظمة للنشر والإعلام والأنشطة داخل دور العبادة، ليست إجراءات استثنائية تستهدف فئة بعينها، بل هي من مقتضيات دولة القانون التي ينبغي أن تُطبَّق على الجميع بالمعايير نفسها.

 

ومن يظن أن التغاضي عن هذه الممارسات، أو منح بعض الجماعات الدينية والسياسية هوامش استثنائية للحركة، سيكفل له دوام الحكم أو يضمن للدولة الاستقرار، فإنه يتجاهل دروساً واضحة من التاريخ القريب.

 

ففي مصر، على سبيل المثال، أتاح نظام حسني مبارك للتيار السلفي مساحة واسعة للانتشار في المساجد، وإطلاق القنوات الدينية، وتوسيع النشاط الدعوي، كما غضّ الطرف لسنوات عن جوانب من تمدده التنظيمي والمالي، باعتباره ثقلاً موازناً لجماعة الإخوان المسلمين.

 

غير أن ذلك لم يؤمّن للنظام البقاء؛ فمع اندلاع الاحتجاجات الشعبية، التي لم يكن السلفيون أصلاً في طليعة المشاركين فيها، انخرطوا في المشهد الجديد واستثمروا زخمه إلى جانب الإخوان.

 

وما إن وصل الإخوان إلى السلطة حتى سعوا إلى توسيع نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، لينتهي الأمر بمواجهة حادة مع المؤسسة العسكرية كانت كلفتها باهظة على الجميع.

 

أما التجربة الليبية فلا تقل دلالة؛ فقد أطلق نظام معمر القذافي، في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حواراً مع قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية داخل السجون، برعاية علي محمد الصلابي، وأسفر ذلك عما عُرف بـ«المراجعات الفكرية» والإفراج عن مئات المعتقلين.

 

لكن هذه الخطوات لم تُنقذ النظام عندما اندلعت الانتفاضة في بنغازي عام 2011؛ إذ كان عدد من أولئك المفرج عنهم في مقدمة من حملوا السلاح ضد الدولة.

 

وبرز عبد الحكيم بلحاج، أحد أبرز قادة الجماعة المقاتلة، بوصفه أحد الوجوه الرئيسية للتمرد المسلح، وكان من أوائل الداخلين إلى مجمع باب العزيزية بعد سقوطه، ليعلن من هناك، عبر مقابلة مباشرة مع قناة الجزيرة، نهاية النظام الذي سبق أن أفرج عنه وعن رفاقه.

 

ومن المفارقات أيضاً أن مصطفى عبد الجليل، الذي عيّنه القذافي وزيراً للعدل رغم معرفته بخلفيته الفكرية السلفية، كان من أوائل المنشقين عن النظام مع اندلاع التمرد، قبل أن يتولى لاحقاً رئاسة المجلس الوطني الانتقالي الذي خلفه بعد سقوطه.

 

والجميع يعرف ما انتهى إليه مصير القذافي وأبنائه، كما يعرف ما آلت إليه ليبيا من فوضى وانقسام وصراع طويل ما تزال البلاد تدفع أثمانه حتى اليوم.

 

وهاتان الحالتان ليستا سوى مثالين من بين نماذج عديدة في المنطقة العربية وخارجها، تؤكد أن التعويل على استرضاء الجماعات الأيديولوجية أو التغاضي عن تمددها خارج الأطر القانونية لا يوفر بالضرورة الحماية للأنظمة ولا الاستقرار للدول.

 

فالتاريخ حافل بالشواهد التي تثبت أن الحسابات السياسية قصيرة المدى كثيراً ما تنقلب على أصحابها، وأن التنازلات التي تُقدَّم بدافع المصلحة الآنية لا تضمن ولاءً دائماً ولا استقراراً مستداماً.

 

أما رجال الدولة الحقيقيون فلا ينظرون إلى الأمور بمنطق المكاسب الظرفية، بل بمنطق المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى؛ وهم لا يكررون أخطاء غيرهم، بل يدرسون تجارب السابقين بعين ناقدة، ويستخلصون العبر من نجاحاتهم وإخفاقاتهم على السواء.

تصفح أيضا...