
(لمحة موجزة عن مشاريع النظام الأساسي للعسكريين المتقاعدين فيما يتعلق بالأنشطة السياسية)
اعتمد مجلس الوزراء بتاريخ 10 يونيو 2026 مشروعي قانون يعدلان على التوالي النظام الأساسي لضباط القوات المسلحة والنظام الأساسي للأفراد غير الضباط. وتُدخل هذه النصوص، ولأول مرة بصورة صريحة، نظاماً عاماً لواجب التحفظ والالتزام بالسرية يُطبق على العسكريين بعد مغادرتهم الخدمة.
وبالنسبة للضباط العامين، تذهب الإصلاحات إلى أبعد من ذلك من خلال إقرار فترة احتياط مدتها خمس سنوات بعد انتهاء الخدمة الفعلية. وخلال هذه الفترة، يخضعون لحظر واسع للأنشطة السياسية، يشمل ممارسة الأنشطة السياسية، والمشاركة في النقاشات السياسية، والتوقيع على العرائض السياسية، وجمع الأموال لأغراض سياسية. كما يُعاد، بحكم القانون، إدماج الضباط العامين الذين أُحيلوا بالفعل إلى التقاعد ضمن الاحتياط الثاني.
ومن الجدير بالتأكيد أيضاً أن النظام القانوني للعسكريين المتقاعدين المعروض على البرلمان يُعد من أكثر الأنظمة تقدماً في منطقة المغرب العربي وغرب إفريقيا، بل وحتى على مستوى القارة الإفريقية والعالم العربي. وهو يستجيب لمطلب قديم لجزء مهم من الطبقة السياسية وكذلك للعديد من الفاعلين المدنيين منذ قيام دستور سنة 1991.
إن الهدف المتوخى مشروع: الحفاظ على حياد القوات المسلحة، وحماية المعلومات الحساسة، ومنع تسييس المؤسسة العسكرية.
غير أن هذا الإصلاح الطموح للغاية وذي الدلالة السياسية المهمة يثير مع ذلك عدداً من التساؤلات القانونية والمؤسساتية بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على النظام السياسي وتطوره على المديين القريب والمتوسط.
1. ما الذي تنص عليه المشاريع؟
بالنسبة للضباط العامين، يميز النص الآن بين ثلاث حالات.
الحالة الأولى هي الخدمة الفعلية، حيث يمارس الضابط مهامه أو يظل تحت تصرف المؤسسة العسكرية.
الحالة الثانية هي الاحتياط، حيث يُعاد الضابط إلى الحياة المدنية لمدة خمس سنوات بعد مغادرته الخدمة الفعلية، مع بقائه قابلاً للاستدعاء لبعض المهام.
أما الحالة الثالثة فهي التقاعد، وتمثل الانقطاع النهائي للعلاقة مع الاحتياط.
وهناك مقتضى أساسي يتمثل في إعادة إدماج الضباط العامين الذين سبق إحالتهم إلى التقاعد، بحكم القانون، في الاحتياط الثاني، وبالتالي إخضاعهم للقيود المرتبطة بهذه الوضعية مع تمتعهم بالمزايا المترتبة عليها.
كما يكرس المشروعان واجب التحفظ والالتزام بالسرية بالنسبة لمجمل الأفراد العسكريين خلال مختلف الفترات المعنية. وتشمل هذه الالتزامات، على وجه الخصوص، حظر إفشاء المعلومات المصنفة، وحماية الأسرار التي تم الاطلاع عليها بحكم الوظيفة، فضلاً عن منع التعليق العلني على بعض القضايا العسكرية أو الأمنية دون ترخيص.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين واجب التحفظ والالتزام بالسرية وبين القيود ذات الطابع السياسي. فالأول يهدف أساساً إلى الحفاظ على حياد المؤسسة وحماية المعلومات الحساسة، بينما تتعلق الثانية بممارسة الحريات السياسية نفسها.
وبالنسبة للضباط العامين الخاضعين لفترة الاحتياط، يحظر النص ممارسة الأنشطة السياسية، والمشاركة في النقاشات السياسية، والتوقيع على العرائض السياسية، وجمع الأموال لأغراض سياسية.
وقد يؤدي انتهاك هذه الأحكام إلى الإحالة على التقاعد فضلاً عن إمكانية المتابعة الجنائية.
وتطبق القواعد الجديدة بصورة فورية، بما في ذلك على الأشخاص الذين سبق لهم مغادرة الخدمة.
2. الإشكال: حدود أصبحت غير واضحة
من الطبيعي أن تظل حماية أسرار الدفاع الوطني التزاماً دائماً. فلا أحد يجادل في أن العسكري السابق يظل ملزماً باحترام المعلومات الحساسة التي اطلع عليها خلال مسيرته المهنية.
غير أن توسيع القيود المفروضة على الأنشطة السياسية إلى ما بعد الخدمة الفعلية يثير صعوبة خاصة.
فالعسكري المحال إلى التقاعد يصبح مدنياً من جديد. والحال أن الدستور يكفل حرية الرأي وحرية التعبير والمشاركة في الحياة العامة.
وأي تقييد لهذه الحريات يجب أن يكون محدداً ودقيقاً ومتناسباً ومقيداً زمنياً.
وعندما تصبح الحدود بين العسكري والمدني غير واضحة، يبرز خطر إنشاء فئة من المواطنين تظل حقوقها السياسية مقيدة بصورة دائمة بعد انتهاء الخدمة.
3. حل أبسط
إن الهدف المنشود، والمتمثل في الحفاظ على حياد الجيش ومنع تسييسه، هدف مشروع تماماً.
غير أن الآلية يمكن تبسيطها، وذلك بالإبقاء على حالة عدم التوافق خلال فترة الاحتياط، ثم إعادة الحقوق المدنية والسياسية كاملة بعد انتهاء هذه الفترة.
وعملياً، ستظل الأنشطة السياسية محظورة طوال السنوات الخمس للاحتياط. وبعد انتهاء هذه الفترة، يستعيد العسكري السابق كامل حقوقه السياسية.
وعندئذ يمكنه الانضمام إلى حزب سياسي، والمشاركة في النقاش العام، والترشح للانتخابات، وممارسة المسؤوليات السياسية.
ومع ذلك، يمكن الإبقاء على حالة عدم توافق مؤقتة بالنسبة لبعض الوظائف الانتخابية العليا، مثل رئاسة الجمهورية، والنيابة البرلمانية، ورئاسة البلديات أو المجالس الجهوية.
ويمكن أن تكون المدة واحدة بالنسبة للجميع، أي خمس سنوات بعد مغادرة الخدمة الفعلية.
4. لماذا يناسب هذا الحل موريتانيا؟
منذ التغيير السياسي الذي حدث سنة 1978، عرفت موريتانيا حضوراً مهماً للعسكريين في ممارسة السلطة السياسية. فباستثناء الرئاسة المدنية لسيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، التي انتهت بعد عامين إثر انقلاب سنة 2008، تولى أعلى مناصب الدولة ضباط سابقون في القوات المسلحة.
كما تولى عدد من العسكريين السابقين رئاسة الجمعية الوطنية أو شغلوا مسؤوليات مؤسساتية مهمة.
وقد ساهم هذا الوضع تدريجياً في ترسيخ فكرة مفادها أن المسار العسكري يشكل طريقاً مفضلاً للوصول إلى أرفع وظائف الدولة.
ومن دون المساس بحق العسكريين السابقين في المشاركة في الحياة العامة، يبدو من المشروع إرساء فصل مؤسسي واضح بين المسار العسكري والمنافسات الانتخابية.
فإن قاعدة بسيطة تقوم على خمس سنوات من الاحتياط دون نشاط سياسي، يعقبها استرجاع المواطنة الكاملة، من شأنها أن تحمي حياد القوات المسلحة، وتمنع تسييس المؤسسة العسكرية، وتحافظ على الحقوق المدنية والسياسية للعسكريين السابقين، وتعزز الطابع المدني للمؤسسات.
5. أفق دسترة هذا المبدأ
نظراً لأهمية مبدأ حياد القوات المسلحة في سير المؤسسات، وللمكانة الخاصة التي احتلتها المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية الموريتانية منذ سنة 1978، يمكن تكريس حالة عدم التوافق هذه على المستوى الدستوري.
وبذلك يمكن للدستور أن ينص على أنه لا يجوز للعسكري المحال إلى التقاعد أو الذي غادر الخدمة الفعلية نهائياً أن يترشح لبعض الوظائف الانتخابية إلا بعد انقضاء مدة محددة.
ولن يشكل مثل هذا التعديل الدستوري شرطاً لصحة الأحكام التشريعية من منظور الرقابة الدستورية، بل سيكون هدفه الأساسي تدعيم المؤسسات وترسيخ مبدأ الحياد السياسي للقوات المسلحة.
ويمكن أن تشمل حالة عدم التوافق هذه رئاسة الجمهورية، والنيابة البرلمانية، والوظائف البلدية، فضلاً عن أهم المسؤوليات الانتخابية الوطنية والمحلية.
ويمكن تحديد هذه المدة بخمس سنوات، بما يتوافق مع المدة الحالية لفترة الاحتياط.
ومن شأن هذا الحل أن يحقق عدة مزايا، إذ يضمن قاعدة موحدة لجميع العسكريين، ويعزز الأمن القانوني، ويتجنب الغموض المرتبط بمختلف أوضاع الاحتياط، ويكرس الفصل بين المؤسسة العسكرية والمنافسة السياسية، ويسهم في تعزيز الطابع المدني للمؤسسات الديمقراطية.
الخاتمة
تمثل مشاريع القوانين هذه، دون شك، مرحلة مهمة في تطور العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية الوطنية. فمن خلال تكريس واجب التحفظ وتنظيم وضعية العسكريين بعد انتهاء الخدمة، تسهم في توضيح مسألة ظلت لفترة طويلة محل غموض.
وقد تشكل بذلك إحدى المراحل الأخيرة في بناء نظام مؤسساتي مدني بالكامل، بدأ مع اعتماد دستور سنة 1991.
ومع ذلك، فإن تمديد بعض القيود السياسية إلى ما بعد فترة الخدمة يستدعي تفكيراً إضافياً من أجل التوفيق بصورة أفضل بين متطلبات حياد القوات المسلحة والحقوق المدنية والسياسية للعسكريين السابقين.
ويبدو أن حالة عدم توافق مؤقتة، محددة بوضوح من حيث المدة، وربما مكرسة دستورياً، تمثل حلاً متوازناً. فهي تتيح في الوقت نفسه الحفاظ على حياد المؤسسة العسكرية، وضمان الفصل بين الزي العسكري والمنافسة السياسية، وضمان الممارسة الطبيعية لحقوق المواطنة بالنسبة للعسكري السابق بعد انتهاء المدة المحددة.
وفي هذا المنظور، يمكن للإصلاح الجاري أن يسهم ليس فقط في مهنية القوات المسلحة، بل أيضاً في تعميق الطابع المدني للمؤسسات الموريتانية. كما يمكن أن يشكل إحدى المراحل الأخيرة من نزع العسكرة التدريجي للحياة السياسية الوطنية، وأن يسمح بمعالجة أكثر هدوءاً لبعض القضايا الأكثر حساسية الموروثة عن حقبة الأنظمة العسكرية.
23 يونيو 2026

